الشيخ المحمودي

417

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

مع أن من البديهيات ان القوانين المقننة ، تحتاج إلى مهيمن عالم عامل على طبقها ، ليجريها علما وعملا ، ويتحفظ عليها بعلمه الثاقب ، وعمله الصائب عن شوب الانحراف ، والسهو والخطاء والغفلة ، والا لا تمكث لمح البصر ، الا ورمته الشياطين بسهم التغيير والتبديل ، وتصبح منحرفة عن مجراها ، سائلة إلى أودية الهلاكة ، وغدر البوار . ولأجل ذلك كله - وغيره مما لا يحصى من الشواهد - جعل الشارع المقدس على كتابة مهيمنا وحافظا ، وأناط النجاة من الهلكات بالتمسك بهما ، والايواء إلى ظلهما ، واكد هذا الامر مرة بعد أخرى ، سفرا وحضرا ، ليلا ونهارا ، فقال في الحديث المتواتر عنه ( ص ) بين المسلمين : ( اني تارك فيكم ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي ) وفي ألفاظ عنه ( ص ) اني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) . حتى أنه ( ص ) لغاية شفقته على الأمة ، وكمال ولعه على هداية أبناء البشر ، لم يغفل عن هذا الامر الخطير ، ولم يقصر عن نصح البرية حتى في مرض الموت ، فقال صلى الله عليه وآله وكرره وهو يعالج الموت : ( ايتوني بدواة وقرطاس لا كتب لكم كتابا لن تضلوا من بعدي ) فرماه بعض المنافقين بالهجر ( 16 ) ، وساعدت هذا المنافق عدول من الصحابة فلغطوا ، لما

--> ( 16 ) كما يحدثنا بذلك المقريزي وغيره ، قال في إمتاع الأسماع ص 545 س 15 ، : واشتد به صلى الله عليه وسلم وجعه يوم الخميس فقال : ( ائتوني بداوة وصحيفة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا ) فتنازعوا فقال بعضهم : ماله أهجر ؟ استعيدوه ! . وقالت زينب بنت جحش وصواحبها : أئتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحاجته ! فقال عمر رضي الله عنه : قد غلبه الوجع ! وعندكم القرآن ! حسبنا كتاب الله ! من لفلانة وفلانة ؟ - يعني مدائن الروم - ان النبي صلى الله عليه وسلم ليس بميت حتى يفتحها ، ولو مات لانتظرته كما انتظرت بنو إسرائيل موسى . فلما لغطوا عنده قال : دعوني فما أنا فيه خير مما تسألوني .